جمال فتحي

كتاب اعجبني

على محطة فاتن حمامة : رواية فتحي سليمان

عناوين الأعمال الأدبية.. "أرزاق" هكذا أري الأمر أحياناً وخاصة الروايات. فإما أن يحلق العنوان بالرواية عاليا بطاقته الدلالية والتعبيرية وقدرته على ان يتحول معادلا فنياً وجمالياً موازياً لها ومعبراً عنها. وإما ان يخصم من رصيدها ويتحول إلى عبء عليها وعلى صاحبها. وقد قرأت مؤخراً رواية الكاتب الساخر والروائي فتحي سليمان الصادرة حديثاً فيما يقارب 130 صفحة من القطع المتوسط بعنوان "على محطة فاتن حمامة" ولها غلاف يحمل الكثير من الفانتازيا المثيرة للتساؤلات عن طبيعة ذلك العمل. ولعلها من المرات القليلة جداً في نظري الذي ينجح فيها روائي مثل هذا النجاح في "الوقوع" على عنوان لروايته بمثل هذه القدرة على التعبير عن العمل واكتنازه. بل والإضافة له والتوريط فيه في آن. فمفرده "محطة" تصرف الذهن فوراً إلى كافة معاني الانتظار والسفر ومشاهد اللقاء والوداع. وإلى خيالات ناس تحمل حقائبها وتسابق الزمن وآخرين يستقبلون بعضهم بالأحضان على إيقاع الزحام وصفير القطارات.
فضلاً عما يشير له العنوان فعلا بعد تضييق الدلالة جدا وهو المعني المباشر والحرفي الواضح في النص ان "محطة فاتن حمامة" مجرد اسم محطة مترو بضاحية مصر الجديدة لكن براعة سليمان في سبقها ب حرف الجر "علي" يقذف بالقارئ في أتون النص مباشرة عندما يضطر من اللمحة الأولي ان يسأل ما الذي جري "علي" محطة فاتن حمامة؟
ولأن دلالات "المحطة" تنطوي أيضاً وتشير إلى كل ما يمكن ان يكون فارقاً في حياتنا سواء أناس قابلناهم وغيروا حياتنا أو لحظات وساعات وربما أيام وسنوات عشناها. أو أحداث مررنا بها ومرت بنا بلدتنا ونقلتنا من حال إلى حال. فسيجد من يقرأها ان هذا العنوان نجح بكل المقاييس في القبض على مضمون الرواية بعد ان انسحبت دلالاته على كل تلك المعاني المحتملة. بل استطاع ان يتحول بالفعل إلى معادل لها بحيث يصعب جداً ان نتخيل لها عنواناً آخراً. ومن هنا تأتي روعة العنوان في نظري فالرواية بالفعل اكتظت بشكل واضح بالحركة والتنقل والسفر والعودة والانتظار والفراق والعناق والانتقال من مرحلة لمرحلة ومن حال لحال. فكل شخوص الرواية بلا استثناء مثل: "أحمد الفخراني - صالح - نادية مظلوم - مسيو بشري - مني - فاطمة الصوفي" جميعهم دخل "المحطة" بكافة معانيها. وكان لكل منهم محطته الخاصة أو حالته الخاصة في تلك المحطة. لتتحول الرواية بأكملها إلى محطة كبيرة جمعت أبطالها تحت مظلتها وفي المقابل أصبحت هي ذاتها في النهاية محطة هامة في حياة صاحبها.
الرواية في أحد أبعادها المهمة في نظري بدا فيها جانب من السيرة الذاتية. تجلي هذا البعد منذ بدايتها على لسان بطلها "ص9" بقوله: "وعيت على الدنيا في بيتنا المستور.. الابن الوحيد لضابط في حرس الحدود". ولكنها سيرة مراوغة وغير مباشرة حيث يمكن ان تقبض على الكثير من الصلات بين صاحبها الأصلي "مؤلفها" وبين بطلها هذا ان جاز ان للرواية بطلاً واحداً وهي ليست مجرد سيرة ذاتية لصاحبها بل سيرة أيضاً لعدد كبير جداً من شخوص الرواية باعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من حياة بطلها أو بالأحري هي مجموعة سير ذاتية أو عدة حلقات كونت سيرة كبيرة لكنها سيرة تجاوزت ترتيب الزمان والمكان وأسقطته كعامل مهم في متابعتها. وقد سار قطار هذه السيرة المجتزأة على قضيبين رئيسيين هما أحمد وصالح الصديقان والقرينان اللذان نشأ في ضاحية مصر الجديدة وشكلا اللونين الأساسيين في الحكاية بما بينهما من تشابه في المزاج واختلاف في الطموح وبما جمعهما من عشرة وصداقة عمر وجيرة ثم جاءت كل الحكايات الأخرى تنويعات مضيئة على لحن حكايتهما الأساسية.
لم يسهب سليمان في وصف شخوصه من الخارج رغم اهتمامه بذلك فيما يخص الشوارع والأماكن والأثاث أحياناً لكنه انحاز إلى وصفهم من الداخل فوصف خفقات قلوبهم في لحظات السعادة والفرح وندوب أرواحهم من فرط الهزائم والألم. وكذلك سرح بعيداً في ذكرياتهم وتذكرها بدلاً منهم أحياناً - أو هكذا بدا لي - كأنه هو الذي عاش وتألم وفرح وسافر واغترب وعاد كذكره لحكايات الخواجة "توني" عن أيام شبابه وذكرياته مع فيلم بنات اليوم وأغنية حليم "يا قلبي يا خالي" التي حرص الكاتب على ذكر كلماتها كاملة ص14. وكأنه يستمتع بالذكري التي من المفروض انها لا تخصه.
وقد نجح الروائي باقتدار في توريط القارئ في علاقة ما مع شخوص العمل عبر إقناعه بصدق معاناتهم وبسرد تفاصيل أزماتهم المختلفة رغم حدوث هذا في سطور قليلة. وبشكل مكثف وسريع لكنه محسوس ومؤلم كوخذ ابرة طبيب التحاليل عندما يشاغلك متعمداً ثم يباغتك بشكة سريعة في لحم اصبعك تري بعده دمك ينز من ثقب صغير لا يري بالعين فهو يقول مثلا على لسان نادية "ص69": "كل من قابلتهم.. استوطوا حائطي.. انتهكوا براءة تربيت عليها خلف أسوار بيت أبي الذي لم يخبرنا بشكل الحياة خارج تلك الأسوار".
حكي سليمان كثيراً عن شوارع مصر الجديدة الهادئة وفيلاتها الفخمة بأثاثها الراقي وتحفها الثمينة وعن محالها ومطاعمها وعن ماركات سجاد وعن لوحات وتماثيل وحكي كذلك عن وسط البلد ونكهة مقاهي وسط البلد وجلسات المثقفين وعن فضائح "الصبان" وجدعنة "مكاوي سعيد" وأشعار "عمر نجم".
قفز الكاتب كثيراً في الزمان والمكان ولم يحصر نصه داخل عالم واحد ولم تسيطر عليه أجواء واحدة فجاء نصه ديناميكيا مفعماً بالحركة والطزاجة. فأشار مثلاً إلى نكسة 67 ونقلنا في مشاهد أقرب البرق الخاطف لموت عبدالناصر وخروج الملايين خلفه. وإلى اضطرابات الأمن المركزي واغتيال السادات وكلها كانت اشارات سريعة مكثفة لم تستغرق في التفاصيل.. فقط ترك المؤلف دلالات هذه الأحداث والتواريخ لتفعل فعلها في النفوس كما حكي في الجزء المعنون "بأيام الشارلستون" "ص83" عن أيام "كانت تزيد الفتيات جمالاً وأنوثة بجيباتهم القصيرة وشعرهن الكاريه" ووصفهن بقوله: "تصيبني بالغثيان كلما طالعت صورنا بالبناطيل الترفيرا الواردة من بيروت.. كنا أول عيال سيس في مصر".
الرواية في النهاية كوكتيل رائع من الأحداث والشخوص وهي في مجملها حالة خاصة جداً من السرد العذب المتدفق يسير صاحبها عكس الاتجاه السائد الآن في الكتابة الروائية ضارباً بكل مغرياته عرض الحائط باحثاً عن مرصد خاص به يرصد من خلاله العالم.

اضيف بتاريخ: Monday, June 4th, 2012 في 13:16

كلمات مجلة أدب: ,

تواصل مع المؤلف

رسالتك:
اسمك المستعار:

بريدك الالكتروني:

ادخل حاصل جمع 0 + 7 بالاسفل:
 

شارك بالتعليق الآن